محمد متولي الشعراوي

9622

تفسير الشعراوي

قَدْ سَالَم الحياتُ مِنْه القَدَمَا . . . الأفْعُوانَ والشُّجاعَ القَشْعَمَا أي : أنه سَالَم الحيات ، فالحيات سالمتْه ، فالمسالمة منهما معاً ، لكن غلب جانب الحيات فجاءت فاعلاً ؛ لأن إيذاءَها أقوى من إيذائه ، فلما أبدل من الحيات ( الأفعوان والشجاع القشعما ) وهما من أسماء الحيات كان عليه أنْ يأتي بالبدل مرفوعاً تابعاً للمبدل منه ، إلا أنه نصبه فقال : الأُفْعَوانَ والشجاعَ القشعمَا ؛ لأنه لاحظ في جانب الحيات أنها أيضاً مفعولٌ . فَمِمَّ غضب ذو النون ؟ غضب لأن قومه كذبوه ، فتوعدهم إنْ لم يتوبوا أنْ يُنزل بهم العذاب ، وأتى الموعد ولم ينزل بهم ما توعدهم به ، فخاف أنْ يُكذِّبوه ، وأن يتجرَّأَوا عليه ، فخرج من بينهم مغاضباً إلى مكان آخر ، وهو لا يعلم أنهم تابوا فأخّر الله عذابهم ، وأجّل عقوبتهم . وفي آية أخرى يُوضِّح الحق سبحانه هذا الموقف : { فَلَوْلاَ كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَآ إِيمَانُهَا إِلاَّ قَوْمَ يُونُسَ لَمَّآ آمَنُواْ كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الخزي فِي الحياة الدنيا وَمَتَّعْنَاهُمْ إلى حِينٍ } [ يونس : 98 ] . أي : لم يحدث قبل ذلك أنْ آمنتْ قرية ونفعها إيمانها إلا قرية واحدة هي قوم يونس ، فقد آمنوا وتابوا فأجّل الله عذابهم . إذن : خرج يونس مُغاضِباً لا غاضباً ؛ لأن قومه شاركوه ، وكانوا سبب غضبه ، كما حدث في مسألة هجرة النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ